تُشكّل مادة الفلسفة في مسلك الآداب والعلوم الإنسانية بالبكالوريا المغربية رحلة فكرية ونقدية تسبر أغوار الوجود الإنساني في أبعاده المختلفة.
المقرر السنوي الكامل لمادة الفلسفة (الدورتين الأولى والثانية) — مسلك الآداب والعلوم الإنسانية (السنة الثانية بكالوريا)
يقدم هذا العمل شمولية منهجية للمقرر الكامل لمادة الفلسفة (الدورتين الأولى والثانية)، متناولاً المجزوءات الأربع الأساسية:
درس "مفهوم الشخص" (ضمن مجزوءة الوضع البشري)
«مفهوم الشخص: بين وحدانية الذات، رهان القيمة، وسؤال الحرية»
1. الدورة الأولى: مجزوءة الوضع البشري
تُمثّل هذه المجزوءة الإطار الفلسفي الذي يعالج وجود الإنسان في مختلف أبعاده (الذاتية، التفاعلية، والحضارية).
المفهوم الأول: الشخص
الشخص هو الذات الواعية، المريدة، والمسؤولة أخلاقياً وقانونياً عن أفعالها.
المحور الأول: الشخص والهوية
1. المفارقة والإشكال المنهجي
إذا كانت هويات الأشياء المادية تتحدد بخصائصها الفيزيائية، فإن هوية الشخص مطبوعة بالتغير والتحول (تغير الجسد، نمو الذاكرة، تقلّب الأفكار والمشاعر).
فما الذي يجعل الشخص هو هو بحسب الزمن ورغم كل التغيرات؟
هل تتحدد الهوية بعنصر ثابت ومجرد (كالعقل أو الروح)، أم بعناصر دينامية ومعيشة (كالذاكرة، الشعور، والإرادة)؟
2. الأطروحات والمواقف الفلسفية (من المألوف إلى العميق)
أ. الهوية كجوهر عقلي مجرد (رينيه ديكارت)
الأطروحة: هوية الشخص تتأسس على الفكر بوصفه حقيقة جوهرية مجردة وثابتة.
التحليل: الفكر عند ديكارت ليس مجرد عملية عقلية، بل هو شرط الوجود الذاتي
(الكوجيتو: أنا أفكر، إذن أنا موجود).
حتى لو تغير الجسد أو زالت الحواس، يظل العقل ثابتاً يدرك ذاته بذاته.
ب. الهوية كترابط شعوري وذاكرة استمرارية (جون لوك)
الأطروحة: الهوية مقترنة بالإدراك الحسي (الشعور) والذاكرة التي تربط الماضي بالحاضر.
التحليل: يرفض لوك الفكرة الديكارتية حول الجوهر الثابت، ويعتبر أن الشعور الرافق لأفعالنا وإدراكاتنا الحية، مقترناً بالذاكرة، هو ما يجعل الإنسان يعي أنه نفس الذات في أزمنة مختلفة.
ج. الهوية كرغبة وإرادة حياة عميقة (أرثر شوبنهاور) — طرح أقل تداولاً وعميق
الأطروحة: الذاكرة والعقل متغيرة وعرضة للنسيان والتلف، بينما "إرادة الحياة" هي النواة الصلبة والثابتة في هويتنا.
التحليل: يرى شوبنهاور أن العقل يتعب والذاكرة تصاب بالخلل مع الكبر أو المرض، لكن الإرادة (النزوع نحو البقاء، الرغبات الباطنية، والاندفاع الحيوي) تظل هي الجوهر الثابت لشخصية الفرد طوال حياته.
د. الهوية كبناء سردي متجدد (بول ريكور) — طرح نقدي حديث
الأطروحة: هوية الشخص ليست معطىً ثابتاً ولا مجرد ذاكرة، بل هي "هوية سردية"
(Identite .narrative).
التحليل: يجمع ريكور بين الثبات والتحول؛ فالإنسان يبني هويته كما يُكتب ملخص رواية؛ حيث يتغير ويتأثر بالأحداث والغير، لكنه يحافظ على وحدة حبكته الشخصية من خلال حكايته لذاته ولتاريخه.
3. خلاصة وتركيب المحور
لا يمكن اختزال هوية الشخص في عنصر واحد بسط؛ فهي بنيان مركّب يجمع بين وحدة الفكر، امتداد الذاكرة والشعور، دينامية الإرادة، والقدرة على إعادة بناء الذات سردياً.
«سؤال السلطة والقيمة: من فلسفة السياسة وتنظيم الفضاء العام إلى فلسفة الأخلاق ورهانات السلوك الإنساني»
بعد استيعاب هذا المحور الأول (الشخص والهوية)، نكون جاهزين للانتقال تراتبياً إلى المحور الثاني في نفس المفهوم: "الشخص بوصفه قيمة".
المجزوءة الأولى: مجزوءة السياسة
العنوان الموجه للدرس: «فلسفة السلطة والمجتمع: من شرعية الدولة وإشكالية العنف إلى رهان العدالة والإنصاف»
تُعالج هذه المجزوءة تنظيم الحياة الجماعية للمجتمع، وطبيعة السلطة وممارستها، والضوابط الأخلاقية والقانونية التي تحكم العلاقات بين الأفراد والمؤسسات.
1. مفهوم الدولة
الدولة هي التنظيم السياسي والقانوني الذي يمارس السلطة على مجتمع محدد داخل رقعة جغرافية معينة.
المحور الأول: مشروعية الدولة وغاياتها
الإشكال: من أين تستمد الدولة مشروعيتها؟ وهل وُجدت لخدمة الإنسان وحماية حريته أم لبسط السيطرة وفرض النظام؟
الأطروحات:
توماس هوبز / باروخ سبينوزا (تعاقدي): تستمد الدولة مشروعيتها من العقد الاجتماعي لتوفير الأمن وحماية حرية الأفراد وتخليصهم من "حالة النوايا والقتال الطبيعي".
فريدريك هيجل (طرح غائي شمول): الدولة ليست مجرد وسيلة لحماية المنافع الفردية، بل هي تجسيد غذائي للعقل والروح الأخلاقية للأمة.
المحور الثاني: طبيعة السلطة السياسية
الإشكال: كيف ينبغي أن تُمارس السلطة السياسية؟ هل على أساس الرفق والمشورة أم عبر الدهاء والقوة واستعمال المكر السياساني؟
الأطروحات:
نيكولا ميكيافيلي: ممارسة السلطة تتطلب الفصل بين الأخلاق والسياسة؛ فعلى الحاكم أن يجمع بين "قوة الأسد ومكر الثعلب" للحفاظ على الدولة.
ميشيل فوكو (تحليل دقيق): السلطة ليست مركزاً ثابتاً في يد الحاكم، بل هي شبكة من العلاقات القسرية والتكتيكات المنتشرة في كامل الجسد الاجتماعي.
المحور الثالث: الدولة بين الحق والعنف
الإشكال: هل تقوم الدولة في فرض سلطتها على سيادة القانون والحق، أم أنها تحتاج بالضرورة إلى ممارسة العنف والقوة الاحتكارية؟
الأطروحات:
ماكس فيبر: الدولة هي المؤسسة الوحيدة التي تمتلك حق الاحتكار المشروع لاستخدام العنف الفيزيائي لحفظ النظام.
جاكلين روس: دولة الحق هي التي تقوم على احترام الكرامة الإنسانية، وتفصل بين السلطات، وتمنع تجاوز السلطة عبر القانون.
2. مفهوم العنف (مفهوم خاص بمسلك الآداب والعلوم الإنسانية)
العنف هو استخدام القوة الفيزيائية أو الرمزية لإلحاق الضرر بالآخرين أو إرغامهم ضد إرادتهم.
المحور الأول: أشكال العنف
الإشكال: هل يقتصر العنف على ظاهره المادي والملموس، أم أن هناك أشكالاً خفية غير مادية (رمزية ومؤسساتية)؟
الأطروحات:
إيف ميكو: يُميز بين العنف المادي الجسدي والعنف النفسي والمؤسساتي الممارس عبر وسائل الإعلام والأنظمة الحديثة.
بيير بورديو (طرح عميق): العنف الرمزي هو عنف هادئ وغير مادي يُمارس عبر اللغة والتنشئة الاجتماعية والمؤسسات التعليمية بموافقة الضحية دون وعي منها.
المحور الثاني: العنف في التاريخ
الإشكال: ما موقع العنف في سيرورة التاريخ البشري؟ هل هو المحرك الأساسي للتطور الاجتماعي أم مجرد عائق مدمر؟
الأطروحات:
كارل ماركس: العنف هو "قابلة التاريخ"؛ فالصراع الطبقي والعنف الثوري هما المحركان اللذان ينتقلان بالمجتمعات من مرحلة إنتاجية إلى أخرى.
رينيه جيرار (طرح ثقافي): العنف ينشأ عن "الرغبة المحاكاتية"، وتلجأ المجتمعات إلى آلية "كبش الفداء" لتصريف العنف وتفريغه.
المحور الثالث: العنف والمشروعية
الإشكال: هل يمكن تبرير العنف وإعطاؤه مشروعية أخلاقية أو قانونية، أم أن كل أشكال العنف مرفوضة بذاتها؟
الأطروحات:
فرانس فانون: العنف الاستعماري يشرع العنف المضاد؛ فالمقاومة المسلحة وسيلة ضرورية لتحرير الشعوب واستعادة كرامتها.
إيريك فايل / غاندي: العنف نفي للحوار والعقل، والشرعنة الحقيقية للوجود الإنساني تكون عبر اللاعنف والدبلوماسية وسهولة التواصل.
3. مفهوم الحق والعدالة
الحق هو ما يطابق قواعد أخلاقية وقانونية معترف بها، والعدالة هي التطبيق المنصف والمتساوي لهذه القواعد.
المحور الأول: الحق بين الطبيعي والوضعي
الإشكال: هل الحق معطى فطري فطري سابق عن القوانين (حق طبيعي)، أم أنه نتاج الاتفاق والمؤسسات البشرية (حق وضعي)؟
الأطروحات:
جان جاك روسو: الحق الطبيعي يتأسس على الحرية والمساواة، ولكن يجب صيانته بتحويله إلى حق مدني وضعي عبر العقد الاجتماعي.
انس كيلسن: يرفض الحق الطبيعي التجريدي ويفترض أن الحق هو فقط ما تقره التشريعات والقوانين الوضعية المكتوبة والمطبقة في الواقع.
المحور الثاني: العدالة أساس الحق
الإشكال: كيف تكون العدالة هي المرجع الحقيقي لتجسيد الحقوق في الواقع؟
الأطروحات:
أرسطو: العدالة هي أصل الحقوق، ولا تكون العدالة كاملة إلا بالجمع بين القوانين المكتوبة وتطبيقها السليم.
سيسرون: العدالة ليست القوانين الموضوعة فقط (لأن القوانين قد تكون ظالمة)، بل هي شريعة عقلية طبعت في النفس الإنسانية للتمييز بين الخير والشر.
المحور الثالث: العدالة بين الإنصاف والمساواة
الإشكال: هل تتحقق العدالة من خلال تطبيق القوانين بالتساوي الحرفي بين الجميع، أم عبر مراعاة التفاوت والإنصاف الفردي؟
الأطروحات:
أفلاطون: العدالة هي انسجام القوى الإنسانية وأداء كل فرد للوظيفة التي تتناسب مع طبيعته ومواهبه.
جون رولز (عدالة الإنصاف):
تقوم العدالة على مبدأين:
- المساواة القصوى في الحريات الأساسية
- والإنصاف عبر تكافؤ الفرص وتوجيه الفوائد لصالح الفئات الأقل حظاً.
المجزوءة الثانية: مجزوءة الأخلاق
العنوان الموجه للدرس: «سؤال القيم والإنسان: بين إكراهات الواجب، البحث عن السعادة، وأفق الحرية»
تُعالج هذه المجزوءة المقاصد والغايات الكبرى التي تُوجّه أفعال الإنسان، والضوابط الأخلاقية والقيمية التي تحكم تصرفاته تجاه ذاته وتجاه الآخرين.
1. مفهوم الواجب
الواجب هو الألفة أو الإلزام الأخلاقي والعملي الذي يفرضه الفرد على نفسه أو يفرضه عليه المجتمع.
المحور الأول: الواجب والإكراه
الإشكال: هل الواجب الأخلاقي إكراه وقسر خارجي يُفرض على الذات، أم أنه إلزام ذاتي حر نابع من العقل والإرادة؟
الأطروحات:
إيمانويل كانط: الواجب أمر أخلاقي جازم وإلزام ذاتي نابع من العقل الحر والمستقل، بعيداً عن أية منفعة أو ضغط خارجي.
إميل دوركايم: الواجب إكراه اجتماعي سلطوي؛ فضمير الفرد هو صدى لضمير الجمع القوي الذي يحدد ما يجب فعله عبر التنشئة.
المحور الثاني: الوعي الأخلاقي
الإشكال: ما هو مصدر الوعي الأخلاقي والقدرة على التمييز بين الخير والشر؟ هل هو فطري أم مكتسب بالخبرة والتنشئة؟
الأطروحات:
جان جاك روسو: الوعي الأخلاقي غريزة إلهية وفطرة نيرة تميز الإنسان عن الحيوان وتجعله يميل للخير ويمقُت الشر.
سيغموند فرويد: الوعي الأخلاقي ("الأنا الأعلى") معطى نفسي مكتسب يتكون نتيجة تشرب قيم الوالدين والمجتمع وقمع الرغبات البدائية.
المحور الثالث: الواجب والمجتمع
الإشكال: هل تتحدد حدود الواجب الأخلاقي في حدود المجتمع والنطاق الوطني، أم يتعداها ليكون واجباً كونياً إنسانياً؟
الأطروحات:
هنري بيرجسون: يفرق بين "الأخلاق المغلقة" التي تخدم المجتمع المحلي وتدعو للتعصب، و"الأخلاق المفتوحة" الشاملة لكل البشرية.
أوغست كونت: الواجب الأخلاقي يتسامى عن الأنانية الفردية ليكون واجباً تجاه الإنسانية جمعاء (الإيثار والحيادية العالمية).
2. مفهوم السعادة (مفهوم خاص بمسلك الآداب والعلوم الإنسانية)
السعادة هي حالة من الرضا الاستقراري والبهجة التامة التي يصبو إليها الإنسان كغاية قصوى لفعله.
المحور الأول: تمثلات السعادة
الإشكال: ما هي السعادة؟ هل تكمن في تلبية اللذات والمطالب المادية والجسدية أم في ارتقاء الروح وتحصيل المعرفة الفكرية؟
الأطروحات:
أبيقور: السعادة هي غياب الألم عن الجسد والاضطراب عن النفس (لذة الطمأنينة وراحة البال).
أبو نصر الفارابي: السعادة القصوى هي تحصيل الخير وتكمن في الارتقاء الفكري والتأمل العقلي وإدراك الحقائق السامية.
المحور الثاني: السعادة والواجب
الإشكال: ما العلاقة بين طلب السعادة الفردية والالتزام بالواجب الأخلاقي نحو الآخرين؟ هل يمنع الواجب تحقيق السعادة؟
الأطروحات:
إيمانويل كانط: السعادة غاية حِسّية غير مضمونة، والواجب الأخلاقي لا يضمن السعادة بل يجعل الإنسان "لائقاً ومستحقاً" لها.
جون ستيورات ميل (النفعية): السعادة هي المنفعة والأمر الأخلاقي يرتبط بالقدرة على تحقيق "أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس".
المحور الثالث: أفق السعادة
الإشكال: هل السعادة مطلب ومطمح فردي خاص، أم أنها أفق جماعي مشترَك يتوقف على طبيعة تنظيم المجتمع؟
الأطروحات:
سينيقا: السعادة أفق فردي داخلي يتحقق عبر التماسك الذاتي والزهد والاستقلال عن التقلبات الخارجية.
أرسطو: السعادة خير جماعي وسياسي؛ إذ لا يمكن للفرد أن يحقق سعادة متكاملة إلا في إطار المدينة والمجتمع السياسي الفاضل.
3. مفهوم الحرية
الحرية هي قدرة الذات على الاختيار والفعل بعيداً عن الضغوط والحتميات الخرجية.
المحور الأول: الحرية والحتمية
الإشكال: هل الإنسان كائن حر ومستقل في أفعاله، أم أنه خاضع لحتميات طبيعية وفسيولوجية ونفسية؟
الأطروحات:
باروخ سبينوزا: الحرية الإنسانية مجرد وهم، والإنسان خاضع لحتميات وتأثيرات طبيعية ونفسية لا يتحكم بها.
أبو الحسن الأشعري / الفكر الإسلامي المتفتح: الإنسان يمتلك قدرة على "الكسب" والإرادة التي تجعله مسؤولاً عن أفعاله الاختيارية.
المحور الثاني: الحرية والإرادة
الإشكال: ما هي طبيعة العلاقة بين الحرية والإرادة؟ هل الحرية مقترنة بالقدرة على الاختيار العقلاني المستنير؟
الأطروحات:
رينيه ديكارت: الحرية هي قدرة الإرادة على الاختيار والبت في الأمور، وأعلى درجات الحرية تكون عندما نختار بناءً على المعرفة الواضحة.
إيمانويل كانط: الحرية والإرادة الأخلاقية شيء واحد؛ فالإرادة الحرة هي التي تخضع ذاتياً للقانون الأخلاقي الذي يصدره العقل.
المحور الثالث: الحرية والحق
الإشكال: كيف تتجسد الحرية الفردية داخل الفضاء الاجتماعي والقانوني؟ وهل يحد القوانين من الحرية أم أنها تحميها؟
الأطروحات:
توماس هوبز: القوانين تحد من الحرية المطلقة لمنع الفوضى.
باروخ سبينوزا / جان جاك روسو: القوانين في الدولة الديمقراطية لا تلغي الحرية، بل تحمي الحرية الفردية من التعدي وتضمن التعبير عنها بأمان.
ختاماً، يتضح أن المقرّر الفلسفي للسنة الثانية بكالوريا آداب ليس مجرد تراكم للمواقف والآراء، بل هو بناء متكامل يبدأ من مسألة الذات والوجود الفردي والجمعي (الوضع البشري والمعرفة)، ليرتقي إلى شروط تنظيم الحياة الفاضلة والسلطة والقيم (السياسة والأخلاق).
إن استيعاب هذه المفاهيم عبر إدراك مفارقاتها واستحضار الفلسفات التأسيسية والنقدية يمنح التلميذ القدرة على صياغة مناقشة فلسفية متماسكة وذات قيمة مضافة عالية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق